وليس واقعاً إذا استحالا... لغير علم ربنا تعالى
وقوله: وجوّز التكليف يعني الجواز العقلي.
وقوله: وقيل بالمنع ، أي عقلاً ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلاً وعادة ، كالجمع بين النقيضين وما استحال عادة ، كمشي المقعد: وطيران الإنسان ، وإبصار الأعمى ، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه.
وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة ، فاعلم أن التوبة تجب كتاباً وسنة وإجماعاً من كل ذنب اقترفه الإنسان فوراً ، وأن الندم ركن من أركانها ، وركن الواجب واجب ، والندم ليس بفعل ، وليس ي استطاعة المكلف ، لأنه انفعال لا فعل والانفعالات ليست بالاختيار ، فما وجه التكليف بالندم ، وهو غير فعل للمكلّف ، ولا مقدور عليه.
والجواب عن هذا الإشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها ، وهي في طوق المكلف ، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعه صحيحه ، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل ، والشراب الذي في السم القاتل لايستلذه عاقل لما يتبع لذته من عظيم الضرر ، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشدّ من السمّ القاتل ، وهو ما تسلتزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي ، وتعذيبه له أشد العذاب ، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه ، وينغص عليه لذة الحياة. ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم ، وأنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية ، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها.
فالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم ، وأنه إن استعملها حصل له الندم ، وبهذا الاعتبار كان مكلفاً بالندم ، مع أنه انفعال لا فعل.
ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدّية إلى الندم على المعصية ، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير:
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه حلاوته تفنى ويبقى مريرها
ونقل عن سفيان الثوري رحمه الله أنه كان كثيراً ما يتمثل بقول الشاعر: