أما المستحيل عقلاً لذاته كالجمع بين النقيضين والمستحيل عادة كمشي المقعد ، وطيران الإنسان بغير آلة ، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما كما قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقال تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} [التغابن: 16] وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وأما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلاً ، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلاً مع إجماعهم على أنّه لا يصحّ وقوعه بالفعل. وحجّة من يمنعه عقلاً أنه عبث لا فائدة فيه ، لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال ، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزاً محققاً عبث لا فائدة فيه ، قالوا فهو مستحيل ، لأن الله حكيم خبير ، وحجة من قال بجوازه أنّ فائدته امتحان المكلّف ، هل يتأسف على عدم القدرة ، ويظهر أنّه لو كان قادراً لا مثل ، والامتحان سبب من أسباب التكليف ، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده ، وهو عالم أنه لا يذبحهن وبيّن أن حكمه هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم ، ت أي اختباره هل يمتثل فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم كما قال تعالى عنه:
{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين (*) إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 103107] .
وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها ، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلاً ، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله ، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله:
وجوز التكليف بالمحال... في الكل من ثلاثة الأحوال
وقيل بالمنع لما قد امتنع... لغير علم الله أن ليس يقع