واختلفوا في صفة توبة القاذف التي ذكر الله تعالى، فقيل لا تكون إلا بأن يكذب نفسه بالقذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع وتابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة نفيع من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وهو قول الشعبي وغيره. وقيل توبته صلاح حاله وندمه على ما فرط منه وإن لم يكذب نفسه، وهو قول مالك. وهذا القول أصح لأن أصل التوبة الإنابة والرجوع من حال المعصية إلى حال الطاعة ومن ندم على ما فرط، وصلحت حاله، فهو رجوع منه. وقد قال تعالى: {إلا من تاب} ولم يخصص رجوعًا من رجوع. واختلف على القول بإجازة شهادته في أي شيء تجوز؟ فالمشهور عن مالك أنها تجوز في كل شيء بإطلاق، وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء. وقال سحنون من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته فيه. وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنا فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ولا في قذف ولا في لعان وإن كان عدلًا، وروي هذا عن مالك. والقول الأول أصح لقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} الآية فعم ولم يخص قبول شهادتهم في شيء دون شيء. واختلف
متى تسقط شهادة القاذف؟ فقيل بنفس القذف، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ، وبه يقول الشافعي. وقيل لا تسقط حتى يقام عليه الحد وهو قول مالك وأكثر أصحابه وبه يقول أبو حنيفة وهذا هو الصحيح لأن الله تعالى إنما نهى عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، وللقاذف الإتيان بالشهداء ما لم يحد، فهذا نفي أن شهادته لا تسقط إلا بإقامة الحد عليه، وما لم يقع عليه الحد فلم يتبين فسقه لاحتمال أن يأتي بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقوله بما رماه به من الزنا. واحتج بذلك إسماعيل القاضي بترتيب ترك قبول الشهادة بعد الجلد. وفيه نظر.
(6) - (9) - قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ... } إلى قوله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك ... } :