اختلف فيه المفسرون، فقال ابن المسيب وغيره يعني الضرب الشديد، وقال مجاهد وغيره لا تعطل الحدود من أجل الرأفة، وقال سليمان بن يسار نهي عن الرأفة في الوجهين.
وقد اختلف في حد الزنا هل يكون كحد الفرية والخمر أم لا؟ فقيل هو مثليهما سواء ضرب غير مبرح وهو قول الشافعي ومالك، وعلى هذا يأتي قول مجاهد في الرأفة. وقيل ضرب الزنا أشد منهما وعليه يأتي القولان الآخران في الرأفة وهما حجة هذا القول. واختلف في حد الفرية والخمر أيضًا هل هما سواء أم حد الفرية أشد، فالمشهور أنهما سواء وهو مذهب الشافعي ومالك، وقيل حد الفرية أشد. وذكر أبو الحسن عن أبي حنيفة وأصحابه الثلاثة أن التعزير أشد الضرب وضرب الزنا أشد من ضرب القذف. وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد من ضرب الخمر. والظاهر يقتضي التسوية ومما يحتج به من قال إن ضرب الزنا أشد من ضرب الخمر والقذف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وحد الزنا لا يكون إلا بالسوط وأن القاذف يمكن أن يكون صادقًا والزاني بخلافه فكيف يسوى بينهما بالضرب، وهذا الكلام لا يخفى فساده. واختلف هل يرفع
الضارب يده حتى يرى بياض إبطيه أم لا؟ فروي عن عمر وعلي أنه لا يفعل ذلك، وروي عن عبد الملك بن مروان أنه أمر بذلك، ومن حجته: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} . والصواب هو القول الأول لأن القصد بذلك إنما هو النكال وبدون ذلك يبلغ المقصود فلا معنى للغلو. واختلف هل يجوز أن يجمع مائة سوط فيضرب بهما ضربة واحدة أم لا؟ فلم يجزه مالك جملة وأجازه أبو حنيفة للصحيح والمريض، وفرق الشافعي بين الصحيح والمريض والضعيف والجلد القوي. فقال يجوز ضرب المريض بذلك وبأطراف النعال وبعثكول النخل وبعذق فيه مائة شمراخ. ودليل القول الأول قوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فمفهوم هذا أنه أراد الضرب ولا يفهم منه أنه أراد الشيء الذي يضرب به.
قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} :
المراد بالآية توبيخ الزناة والغلظة عليهم ليرتدعوا، فلا خلاف أن ما كثرت الطائفة في حضورهم كان أغلظ عليهم.