وروى أيضا ، أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل ، عزلوا الأعمى والأعرج والمريض كراهة أن يصيبوا من الطعام ما يصيبون ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وذكر الحسن أن المراد به رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في باب الجهاد ، وأن قوله: (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ، الآية/ 61. كلام مستأنف ، فقد كان أحدهم لا يحلب ناقة إلا أن يجد من يشرب من لبنها ، ولا يأكل في بيت أحد تكرما ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وهو الذي اختاره الأكثرون ، ويحمل قوله:
(وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) على أن ذلك كان رخصة في الأول ، وأباح تعالى الأكل من مال من ذكره ، وأباح أن يأكلوا من البيوت التي مفاتيحها في أيديهم ، وبيوت أصدقائهم دون إذن ، حضروا أم غابوا ، ثم نسخ ذلك بما ظهر في الشرع ، من أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه ، ودل على ذلك بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) «1» ، وقد كان في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من كان لهن الآباء والإخوان ، فلما عم بالنهي علم به النسخ.
فإن قيل: فما الذي يليق بالظاهر؟ فجوابنا أنه يبعد أن يكون المراد به: ليس على الأعمى حرج ، إلا ما يتصل بالأداء ، لأنه رفع الحرج والجناح عنه ، ثم إنه ذكر بعد ذلك أمرا مخصوصا ، فوجب حمله على ذلك الأمر ، فأما قوله تعالى: (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ،
(1) سورة الأحزاب آية 53.