هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافرى، الأندلسى، الإشبيلى، الإمام، العلامة، المتبحر، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحُفَّاظها .. كان أبوه من فقهاء إشبيلية ورؤسائها.
وُلِد أبو بكر سنة 468 هـ (ثمان وستين وأربعمائة من الهجرة) ، وتأدب ببلده، وقرأت القراءات، ثم رحل إلى مصر، والشام، وبغداد، ومكة. وكان يأخذ عن علماء كل بلد يرحل إليه حتى أتقن الفقه، والأُصول، وقيد الحديث، واتسع فِي الرواية، وأتقن مسائل الخلاف والكلام، وتبحَّر فِي التفسير، وبرع فِي الأدب والشعر .. وأخيراً عاد إلى بلده إشبيلية بعلم كثير، لم يأت به أحد قبله، ممن كانت له رحلة إلى المشرق.
وعلى الجملة .. فقد كان - رحمه الله - من أهل التفنن فِي العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، متقدماً فِي المعارف كلها، متكلماً فِي أنواعها، نافذاً فِي جمعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن فِي تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حُسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحُسن العهد، وثبات الود. سكن بلده وشُووِرَ فيه، وسُمِع، ودَرَّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، ورُحِل إليه للسماع. قال القاضي عياض - وهو ممن أخذوا عنه -:"استقضى ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته، وشدة نفوذ أحكامه، وكانت له فِي الظالمين سَورة مرهوبة، وتؤثر عنه فِي قضائه أحكام غريبة، ثم صُرِف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه".