ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم جدَّت للصحابة من بعده حوادث تتطلب من المسلمين أن يحكموا عليها حكماً شرعياً صحيحاً، فكان أولى شيء يفزعون إليه لاستنباط هذه الأحكام الشرعية هو القرآن الكريم، ينظرون فِي آياته، ويعرضونها على عقولهم وقلوبهم، فإن أمكن لهم أن يُنزلوها على الحوادث التي جدَّت فبها ونعمت، وإلا لجأوا إلى سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا فيها حكماً اجتهدوا وأعملوا رأيهم على ضوء القواعد الكلية للكتاب والسُّنَّة، ثم خرجوا بحكم فيما يحتاجون إلى الحكم عليه.
غير أن الصحابة فِي نظرهم لآيات الأحكام كانوا يتفقون أحياناً على الحكم المستنبَط، وأحياناً يختلفون فِي فهم الآية، فتختلف أحكامهم فِي المسألة التي يبحثون عن حكمها، كالخلاف الذي وقع بين عمر بن الخطاب وعليّ ابن أبى طالب فِي عِدَّة الحامل المتوفى عنها زوجها، فعمر رضي الله عنه حكم بأن عِدَّتها وضع الحمل، وعليّ حكم بأن عِدَّتها أبعد الأجلين: وضع الحمل، ومضى أربعة أشهر وعشرة أيام. وسبب هذا الخلاف تعارض نصَّين عامين فِي القرآن، فإن الله سبحانه جعل عِدَّة المطلَّقة الحامل وضع الحمل، وجعل عِدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً من غير تفصيل. فذهب عليّ رضي الله عنه إلى العمل بالآيتين معاً، وأن كل آية منهما مخصصة لعموم الأخرى، وذهب عمر رضي الله عنه إلى أن آية الطلاق مخصصة لآية الوفاة، وقد تأيّد رأى عمر رضي الله عنه بما ورد أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية مات عنها زوجها، فوضعت الحمل بعد خمسة وعشرين يوماً من موته، فأحلَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأزواج.