«فإنْ قلتَ» : الفسق أدنى حالا من الكفر ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافرا دخل تحته الفسق وغيره فما الفائدة في وصفه بكونه فاسقا بعد ما وصفه بالكفر؟
قلت إن الكافر قد يكون عدلا في نفسه بأن يؤدي الأمانة ولا يضمر لأحد سوءا وقد يكون خبيثا في نفسه كثير الكذب والمكر والخداع وإضمار السوء للغير وهذا أمر مستقبح عند كل أحد ولما كان المنافقون بهذه الصفة الخبيثة وصفهم الله سبحانه وتعالى بكونهم فاسقين بعد أن وصفهم بالكفر.
(وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ(86)
«فإنْ قلتَ» : كيف يأمرهم بالإيمان مع كونهم مؤمنين فهو من باب تحصيل الحاصل؟
قلت: معناه الأمر بالدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل.
وقيل: إن الأمر بالإيمان يتوجه على كل أحد في كل ساعة.
وقيل: إن هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون.
والمعنى أن أخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير إيمان لا يفيد أصلا فكأنه قيل للمنافقين: الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله أولا وتجاهدوا مع رسوله ثانيا حتى يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم نفعها في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: (اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ)
قال ابن عباس: يعني أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال.
وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم، وفي تخصيص أولى الطول بالذكر قولان:
أحدهما أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد.
والقول الثاني: إنما خص أولي الطول بالذكر لأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان.