الْحُكْمُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ) وقوله: (أَجْدَرُ) أَيْ أَوْلَى وَأَحَقُّ، وَفِي الْآيَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَجْدُرُ بِأَنْ لَا يَعْلَمُوا.
وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مَقَادِيرُ التَّكَالِيفِ وَالْأَحْكَامِ.
وَقِيلَ: مَرَاتِبُ أَدِلَّةِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ حَكِيمٌ فِيمَا فَرَضَ مِنْ فَرَائِضِهِ.
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ...(100)
نَقُولُ: إِنَّ أَسْبَقَ النَّاسِ إِلَى الْهِجْرَةِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي خِدْمَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لَهُ فِي كُلِّ مَسْكَنٍ وَمَوْضِعٍ، فَكَانَ نَصِيبُهُ مِنْ هَذَا الْمَنْصِبِ أَعْلَى مِنْ نَصِيبِ غَيْرِهِ، وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِنَّمَا بَقِيَ بِمَكَّةَ لِمُهِمَّاتِ الرَّسُولِ إِلَّا أَنَّ السَّبْقَ إِلَى الْهِجْرَةِ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ نَصِيبُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ أَوْفَرَ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا صَارَ أَبُو بَكْرٍ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَضِيَ هُوَ عَنِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ مِنَ الْفَضْلِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا حَقًّا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ بَاطِلَةً لَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَ وَالْمَقْتَ، وَذَلِكَ يُنَافِي حُصُولَ مِثْلِ هَذَا التَّعْظِيمِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَعَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِمَا.