فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ تَقْدِيرِ حَذْفٍ فِي الْكَلَامِ بِأَنْ يَقُولُوا أَرَادَ التَّعْذِيبَ بِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ سَبَبًا لِلْعَذَابِ، وَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَغْنَوْا عَنِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ سَبَبًا لِلْعَذَابِ، وَأَيْضًا فَلَوْ أَنَّهُ قَالَ: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِعْجَابَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَالُ الْعَذَابِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا كَمَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهَذَا التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
* الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ لِلْكُلِّ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ بِهَذَا الْعَذَابِ؟
قُلْنَا: الْمُنَافِقُونَ مَخْصُوصُونَ بِزِيَادَاتٍ فِي هَذَا الْبَابِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، فَبِهَذَا الْعِلْمِ يَفْتُرُ حُبُّهُ لِلدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا سَعَادَةَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْخَيْرَاتِ الْعَاجِلَةِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيهَا، وَاشْتَدَّ حُبُّهُ لَهَا، وَكَانَتِ الْآلَامُ الْحَاصِلَةُ بِسَبَبِ فَوَاتِهَا أَكْثَرَ فِي حَقِّهِ، وَتَقْوَى عِنْدَ قُرْبِ الْمَوْتِ وَظُهُورِ عَلَامَاتِهِ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعَذَابِ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ حُبِّ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ.