الثاني: أنه وإن كان داخلا في جملة الهدى ولكنه خصه بالذكر تشريفا له وتفضيلا كما في قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة: 238] وقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: 98] .
[381] فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة: 33] ولم يقل على الأديان كلها؛ مع أنه أظهره على الأديان كلها؟
قلنا: المراد بالدين هنا اسم الجنس، واسم الجنس المعرف باللام يفيد معنى الجمع، كما في قولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس.
[382] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [التوبة: 34] والمذكور الذهب والفضة، فأعاد الضمير على أحدهما؟
قلنا: أعاد الضمير على الفضة؛ لأنها أقرب المذكورين، أو لأنها أكثر وجودا في أيدي الناس، فيكون كنزها أكثر، ونظيره قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ) [البقرة: 54] .
الثاني: أنه أعاد الضمير على المعنى؛ لأن المكنوز دنانير ودراهم وأموال، ونظيره قوله تعالى: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: 49] لأن كل طائفة مشتملة على عدد كثير، وكذا قوله تعالى: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) [الحج: 19] يعني المؤمنين والكافرين.
الثالث: أن العرب إذا ذكرت شيئين يشتركان في المعنى تكتفي بإعادة الضمير على أحدهما، استغناء بذكره عن ذكر الآخر؛ لمعرفة السامع باشتراكهما في المعنى.
ومنه قول حسان بن ثابت: إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل ما لم يعاصيا. وقول الآخر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب
ولم يقل لغريبان، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: 62] وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ) [الأنفال: 20] وليس قوله تعالى: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) [الجمعة: 26] وقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) [النساء: 112] من هذا القبيل؛ لأن الإضمار ثم عن أحدهما لوجود لفظة أو، وهي لإثبات أحد المذكورين، فمن جعله نظير هذا فقد سها؛ إلا أن يثبت أن أو في هاتين الآيتين بمعنى الواو.