هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: {هَذَا أَكْبَرُ} [الأنعام: 78] ، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله {فَلَمَّآ أَفَلَتْ} [الأنعام: 78] ، شمس الهداية تفرداً وتعظيماً ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني لا أقول له كما قيل:
إِنَّ شَمسَ النَهارِ تَغرُبُ بِاللَي ... لِ وَشَمسُ القُلوبِ لَيسَ تَغيبُ
شبراً عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] .
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] ، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 79] ؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي {حَنِيفاً} [الأنعام: 79] ، أي: مائلاً ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله {وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] ، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
ثم قال تعالى: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: 80] ؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه.