ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ} [الأنعام: 50] ، الآيتين.
والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار على قدر عقولهم، فقال تعالى: {قُل} يا محمد {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ} على أنها عندي؛ ولكن {لاَّ أَقُولُ لَكُمْ} وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم:"أرنا الأشياء كما هي"، وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"أوتيت جوامع الكلم"، وما أمره الله تعالى أن: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج:"قطرت في حلق قطرة علمت بها ما كان وما سيكون" {وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50] ، وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] ؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما"لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [الأنعام: 50] ؛ يعني: قل وكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] .