{فَلَوْلَا} فهل لا {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} [الأنعام: 43] ، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا بصدق الالتجاء وحسن التضرع في الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43] ، باتباع الهوى واستجلاء الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين والأعداء ومجال الحث والإغراء {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] ، من متابعة الهوى والخواص على الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} [الأنعام: 44] ، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] ، من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيراً من متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوا}