ولما كان الطعام الذي أحله الله ينشأ عنه ما يخرج منا من بول وغائط ، والنكاح الذي أحله الله يغير كيماوية الجسد ؛ لذلك جعل الله الوضوء لشيء ، والجنابة لها شيء آخر ؛ فعن الطعام ينشأ الأخبثان ، وعن الجماع أو خروج المني ينشأ الحدث الأكبر ؛ فكان ولا بد بعد أن يتكلم عن طهارة الأبعاض في الحدث الأصغر أن يتكلم عن التطهير الكلي في الحدث الأكبر ؛ فقال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا} .
الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نستديم اتصالاتنا به ولم يشأ أن يجعل الوسيلة للصلاة بأمر الماء فقط ؛ لأننا قد نفقد الماء وقد يوجد الماء ولا نقدر على استعماله ؛ فلم يشأ الحق أن يقطع الصلة بأن يجعل الوسيلة الوحيدة للتطهر هي الماء ، فأوجد وسيلة أخرى . فإن فقدت الماء أيها الإنسان فلا بد ان تدخل إلى لقاء الله بينة تطهير آخر وهو التيمم . هذا أمر لا يفقده من عاش على الأرض . إذن فعندنا تَطَهُّر بالماء وعندنا تَطَهُّر بالتراب . لذلك يقول سبحانه:
{وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} فإن كان الإنسان مريضاً لا يقدر على استعمال الماء ، أو كان على سفر ولا يجد الماء ؛ أو جاء أحد من الغائط ، أي من قضاء الحاجة في مكان غويط وهو الوطئ المنخفض من الأرض ، وكانت العرب قديماً تفعل ذلك حتى لا يراهم أحد ويكونوا في ستر ، رجالاً أو نساءً ، وحتى بعد ملامسة النساء . إن لم يجد الإنسان بعدها ماء فالتيمم هو البديل ، وإياكم أن تقولوا إن الماء هو الوسيلة الوحيدة للتطهر ، فقد جعل للماء أيضاً خليفة وهو التراب . والتراب أوسع دائرة من الماء . فكأنه سبحانه وتعالى يريد أن يديم علينا نعمة البقاء به . ولكي يديم علينا نعمة اللقاء به جعل للماء - الذي يكون محصوراً - خليفة وهو التراب وهو غير محصور .