ثم يعود بعد ذلك إلى شئون تنظيم الأسرة فيقول سبحانه: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]
إذن فقد أخرجنا من كلام في نظام الأسرة إلى الصلاة ، ثم عاد بنا مرة أخرى إلى نظام الأسرة حتى تتداخل كل الأمور لتكون عبادة متماسكة متحدة فلا تقول:"هذه عبادة وتلك ليست عبادة"، وأيضا ؛ لأن الكلام في الصلاة وسط كلامه عن أمور الأسرة ينبهنا: إذا ذهبت إلى الصلاة فربما هدَّأت الصلاة من شِرة غضبك وحماسك ونزلت عليك سكينة تعينك ألا تنسى الفضل بينك وبين زوجك .
في هذه السورة - سورة المائدة - صنع الحق معنا مثلما صنع في سورة البقرة ؛ فبعد أن تكلم في أشياء وقص علينا أمر النعمة ، ها هوذا يدخل بنا إلى رحاب المنعم ، إلا إنه سبحانه لم يدخلنا على المنعم إلا بتهيئة طهورية . طهارة أبعاض ؛ كالوضوء بأن نغسل الوجه ونغسل اليدين إلى المرفقين ونمسح على الرأس ونغسل الرجلين إلى الكعبين . وأحكم في أشياء وترك للاجتهاد مدخلا في أشياء ، أحكمها في ثلاثة ؛ غسل الوجه ، وغسل اليدين إلى المرفقين ، وغسل الرجلين إلى الكعبين ، لكنه حينما تكلم عن الرءوس لم يقل:"امسحوا رءوسكم"ولا:"امسحوا ربع رءوسكم"، ولا"امسحوا بعض رءوسكم"مما يدل على أن للمجتهد أن يفهم في"الباء"ما تُتيحهُ اللغة من"الباء". إذن أعطانا الحق أشياء محكمة وأشياء للاجتهاد . وبعد طهارة الأبعاض يذكرنا بطهارة البدن من الجنابة .
ونلتفت إلى الكلام الذي تقدم حيث أورد الحق فيه ما أحل لنا من بهيمة الأنعام من طعام وشراب ، ثم تكلم في النكاح حتى أنه وسع لنا دائرة الاستمتاع ودائرة الإنسال بأن أباح لنا أن نتزوج الكتابيات ، وفي هذا توسيع لرقعة الزواج فلم يقصر الزواج على المسلمات .