تأويله: فإن مُتُّ قبلك. لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها.
وقوله تعالى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} .
قال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان يحتج بهذه الآية على وجوب الترتيب في الطهارة. قال: لأن الفاء للترتيب، وقد قال: {فَاغْسِلُوا} فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره.
فقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب) الغسل والمسح عَقِيب الإرادة والعزم، ولم يجعل للغسل مزية في المتقدم على المسح؛ لأن المسح معطوف على الغسل بالواو.
والواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به) في المعنى؛ لأنها ليست مرتبة، ألا ترى إلى قول لبيد:
أُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ ... أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
قوله قدحت (أي غُرِفَت) ، وإنما يُفَضّ الخَتم قبل الغرف، فقد علمت أن قُدِحَت مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} الآية [آل عمران: 43] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني.
وإذا كان كذلك جرى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} {وَامْسَحُوا} مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو.
وقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} .
المِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} [الكهف: 16] ، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق.