فقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين في الوضوء ، وإلى هاهنا بمعنى الحدّ والغاية ، ثم استدلوا بقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل} [البقرة: 187] والليل غير داخل في الصوم ، وقال سائر الفقهاء: يجب غسلهما و (إلى) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] وقوله {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] وقوله {مَنْ أنصاري إِلَى الله} [آل عمران: 52] .
{وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ}
اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس.
فقال مالك والمزني: مسح جميع الرأس في الوضوء واجب .
وجعلوا الباء بمعنى التعميم ، كقوله عز وجل {فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} [المائدة: 6] وقوله {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] .
وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب .
أبو يوسف: نصف الرأس ، الشافعي: يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس ، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحاً أجزأه ، واحتج بقوله {وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ} ، وله في هذه الآية دليلان ، أحدهما: مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [اللسان] ماسحاً رأسه . فصار مؤدياً فرض الأمر .
والثاني: إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة {فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس {فامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض ، كقول القائل: مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه .
قال عنترة:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم