فلما كان أرواح المنافقين مترددة متحيرة بين رشاش النور وبين ظلمة الخلقية، لا إلى هؤلاء الذين أصابهم النور، ولا إلى هؤلاء الذين لم يشاهدوا الرشاش، كذلك كانوا {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك} [النساء: 143] المؤمنين والكافرين، {لاَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ} [النساء: 143] بأخطاء ذلك النور، كما قال: ومن أخطأه فقد ضل {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 143] هاهنا إلى ذلك النور، يدل عليه قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] قسمته من ذلك النور المرشش، فماله اليوم نصيب من نور الهداية والله أعلم.
ثم أخبر عن منازل المنافقين باتخاذهم الأولياء من الكافرين ونهى عن المؤمنين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144] ، والإشارة فيها: إن النهي في قوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144] ، نهي التكوين؛ يعني: ما كونهم مستعدين لاتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين؛ لأن المؤمنين خلقت أرواحهم في غير صف أرواح الكافرين، حيث كانت الأرواح جنود مجندة فكان بين أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين تعارف يأتلفون به هاهنا من دون المؤمنين، إنما قيد موالاتهم بقوله تعالى {مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144] ؛ لأن موالاتهم على نوعين:
أحدهما: ما يكون بمناسبة كلية بين الأرواح بأن يكونوا في صف واحد، فتلك المناسبة بين الكافرين والمنافقين موالاة حقيقية، وهذا هو الذي نهى عنه المؤمنون نهي التكوين، وبهذا النوع يتخذ المنافقون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.