ثم أول إضلال إبليس بقوله تعالى: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] ، فليس على الإضلال للشيطان قدرة وقوة إلا بطريق الفتنة والتزيين، والأمر والدعاء، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] ، فإني ما كنت لكم في الضلالة إلا عوناً وولياً، وأنتم اتخذتموني في ذلك ولياً، {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} [النساء: 119] من نواة سعادة الدارين؛ لأن الشيطان يعدهم برحمة الله وعفوه من غير توبة على المعاصي والكف عن الذنوب، {وَيُمَنِّيهِمْ} [النساء: 120] ، بما يلائم طباعهم، {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} [النساء: 120] ، إلا أن يغتروا بالحياة الدنيا وزينتها، ويغتروا بكرم الله وعفوه، وقد قال تعالى: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] ؛ والغرور: هو الشيطان، ومن يغتر به {َأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 121] ؛ أي: مقامهم ومسكنهم؛ لأنهم خلقوا لذلك، وإنما اغتروا بقول الشيطان لهذه الخاصية، {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} [النساء: 121] ، إذ هي ناديهم ولها خلقوا على التحقيق بالحكمة البالغة والمشيئة الأزلية، فافهم.