المسلمين وأوغرت صدور الشباب على بعضهم، كان- رحمه الله- يقول هذا القول لعلمه بواقع الساحة وحقيقتها فقد كانت ساحة بيشاور لا تختلف عن أي ساحة اخرى، فليس كل من في بيشاور مجاهدون، هناك من جاء للجهاد والهجرة والأجر والثواب، وهناك من جاء للعمل وهناك من كانت له أمنا وطمأنينة ... كان هناك عاملون في بيشاور يجاهدون بعملهم وينتظرون الأجر والثواب من الله وقد كانوا جد مخلصين. كان المجاهدون يسمون بيشاور ب"محرقة الحسنات"، وهو مصطلح كنا نسمعه كثيرا، وخاصة في الجبهات، وربما أثر هذا المصطلح عن الشيخ عبدالله عزام، ولا أدري من قاله على الحقيقة.
كان أبو بصير يدرك ما تعانيه ساحات أمتنا من تمزق وتشرذم وقطيعة وفساد وقيل وقال .. لذا كان لا يحب أن يخوض في مثل هذه المواضيع التي تصرف طاقة الشباب المجاهد فيما لا ضرورة فيه للجهاد، مترفعا عن هذا كله لا يتدخل فيما لا يعنيه ولا يشارك إلا فيما يدعم مسيرة الجهاد وله علاقة مباشرة في ذلك.
كان - رحمه الله - يقول لي كلمة يرددها دوما، وكثيرا ما كنا نختلف حولها"إني لا أعرف معنى ثانيا للجهاد في كتاب الله إلا القتال في سبيل الله".بعد مضى سته اشهر، جاء وجها جديدا من أسرة أبي بصير، ذاك هو أخوه"القسام"الذي اقتقى اثر أخيه ولحق به، وفاجأه قدومه حين حل عليه بالمعسكر، وحين رآه أبو بصير فرح به وسر كثيرا ... ولكن منذ تلك اللحظة بدأ شهيدنا أبو بصير يتغير ... فقد أصبح يشعر بمزيد من المسؤولية الأسرية، وأصبح يفكر كثيرا في والدته، وفي الحزن والأسى الذي يلم بها لفراق فلذتي كبدها، فأشفق عليها، وقرر أن يسافر أحدهما لزيارة الأهل وطمأنة الوالدة، واستقر الأمر أخيرا أن يسافر أبو بصير ليزور الأهل ثم يعود، وهنا نقف هنية لنسجل لشهيد خلقا رفيعا عرف به ... وهو عفة النفس وعلو اليد وصيانة ماء الوجه، وتجلى لنا ذلك جيدا عند تفكيره في تذكرة السفر، فآثر صاحب النفس السامية، والخلق الرفيع، والذي يرى أن العودة لزيارة الأهل في بلاده لا تدخل ضمن نطاق الجهاد في سبيل الله تعالى وبعيدة عن مقاصد الجهاد، وتعلم من قبل"أن لا يسأل الناس شيئا"،آثرأن يشتغل بالتدريس ليقوم بتوفيرثمن تذكرته من عرق جبينه.