هذا وقد انعكست أخلاقه الطيبة وصبره الجميل على زوجه التي تلقت نبأ استشهاده بكل صبر واحتساب مع الترجيع والتهليل, وكان إحساسها يتوقع ذلك قبل أيام من استشهاده, ولذلك ضربت المثل الرائع في الزوجة الصابرة المحتسبة التي قل أن يقف موقفها هذا بعض الرجال
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
وقد وقفت المرأة الفاضلة على جثمان زوجها وحوله أطفالها الثلاثة، وكأنهم باقات ورد يحيطون بأبيهم ليلقوا عليه آخرنظرات الوداع, وتماسكت الأم بكل صبر واحتساب وإباء، فانطلقت تحدث الأبناء دون عويل أو صراخ عن أبيهم الشهيد الذي يزف الى الجنة-بإذن الله عز وجل- .. ويكلم أحد الصغار أباه ويسال أمه:"لماذا لا يرد أبي؟ ثم ينزع النعش من بين أيديهم كانتزاع القلب من بين الأضلاع, ثم يسأل أحد الصغار أمه"ماما هو بابا رايح على الجنة مش حيرجع تاني"وتنهمر الدموع الساخنة الصامتة على فراق الشهيد, وبقلبها المكلوم وفؤادها المنفطر تطمئن صغارها"إن أباكم قد فاز"بإذن الله وفضله .. إنه لموقف من المواقف الذي يذكرنا بالرعيل الأول من زوجات الصحابة والشهداء والصالحين، وهنيئا لخنساوات الجهاد هذا الموقف الراضي بقضاء الله المحتسب له .. فكم من مواقف للخنساء تكررت في نساء المجاهدين (9) الأفغان والعرب. ولكن الشهداء لا بواكي لهم!! فالبواكي للساقطين والساقطين من السياسيين وأهل الفن والمجون والضلال والفساد!"
في صباح اليوم الذي استشهد فيه أبو أنس رحمه الله اغتسل دون أن يشعر به احد، ثم كتب وصيته التي ضمنها أغلى و أسمى الوصايا وانصح النصائح الذهبية، وكان يحكي فيها آخر مشاعره الفياضة التي تتدفق بمعاني الحياة الحقيقية، وتنبذ حياة الوهن والغرور. كلمات كتبت من عتبات الآخرة وكانت ابلغ ما تكون: