قال ابن وهب وحدثني مالك قال: كان أبو هريرة يلقى الرجل فيقول له: مت إن استطعت، فيقول له: لم؟ قال: تموت وأنت تدري على ما تموت، خير لك من أن تموت وأنت لا تدري على ما تموت عليه. قال مالك: ولا أرى عمر دعا ما دعا به من الشهادة إلا خاف التحول من الفتن.
قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا عن أبي هريرة؛ روى النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب موتوا إن استطعتم» «1» . وهذا غاية في التحذير من الفتن والخوض فيها حين جعل الموت خيرا من مباشرتها.
و روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» «2» . قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، في حديثه غرائب، لا يتابع عليها وهو رجل صالح.
(البخاري) عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» «3» أخرجه مسلم وابن ماجه بمعناه، وزاد مثنى وليس به الدين إلا البلاء.
و روى شعبة، عن سلمة بن كهيل؛ سمعت أبا الزعراء يحدث عن عبد اللّه، قال: ليأتين على الناس زمان يأتي الرجل القبر فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حبّ اللّه ولكن من شدة ما يرى من البلاء.
قلت: وكان هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن وشدة المحن والمشقات والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده، قد أذهبت الدين منه، ومن أكثر الناس أو قلة الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، وكذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» وقد مضى الكلام في هذا المعنى في أول الكتاب، ونزيده وضوحا إن شاء اللّه تعالى، واللّه أعلم.
(1) أخرجه الحاكم (4/ 439 - 440) بهذا اللفظ.
(2) أخرجه الترمذي (2266) وضعّفه الألباني.
(3) تقدم تخريجه في أول الكتاب.