فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 874

و مما يدل على صحة هذا ما خرّجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «و الذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل» . فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال:

«الهرج؛ القاتل والمقتول في النار» «1» .

فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهالة من طلب الدنيا أو اتباع هوى كان القاتل والمقتول في النار، فأما قتال يكون على تأويل ديني فلا، وأما أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ورضي عنهم فيجب على المسلمين توقيرهم والإمساك عن ذكر زللهم ونشر محاسنهم، لثناء اللّه عزّ وجلّ عليهم في كتابه فقال- وقوله الحق-: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] وقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] إلى آخر السورة، وقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ [الحديد: 10] .

و كل من ذهب منهم إلى تأويل فهو معذور، وإن كان بعضهم أفضل من بعض وأكثر سوابق.

و قيل: إن من توقّف من الصحابة حملوا الأحاديث الواردة بالكفّ على عمومها فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد اللّه بن عمر فإنه ندم على تخلّفه عن نصرة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال عند موته: ما آسى على شي ء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية، يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح؛ أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت. قال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفّين مع علي في ثمان مائة ممن بايع بيعة الرضوان قتل منهم ثلاث وستون منهم عمار بن ياسر.

و قال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع عليّ صفين فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم. قال: وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدّم؛ الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، واللّه لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعفات الجبال لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:

نحن ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل إلهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

أو يرجع الحقّ إلى سبيله

(1) أخرجه مسلم (2908) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت