فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 874

فصل

قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم: كان محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمره إذا كان ذلك أن يتخذ سيفا من خشب ففعل وأقام بالرّبذة. وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة، وعبد اللّه بن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو موسى، وأهبان بن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. ومن التابعين:

شريح، والنخعي، وغيرهم رضي اللّه عنهم.

قلت: هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكفّ اليد واللسان عند ظهور الفتن ونزول البلايا والمحن، نسأل اللّه السلامة والفوز بدار الكرامة بحق نبيه وآله وأتباعه وصحبه.

و قوله: «كونوا أحلاس بيوتكم» : حضّ على ملازمة البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه.

و من مراسيل الحسن وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «نعم صوامع المؤمنين بيوتهم» «1» . وقد تكون العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف، قال اللّه تعالى:

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف: 10] .

و دخل سلمة بن الأكوع على الحجاج وكان قد خرج إلى الربذة حين قتل عثمان، وتزوج امرأة هناك وولدت له أولادا، فلم يزل بها حتى كان قبل أن يموت بليال فدخل المدينة فقال له الحجاج: ارتددت على عقبيك؟ قال: لا؛ ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أذن لنا في البدو. وخرّجه مسلم وغيره «2» .

و قد تقدم قوله صلى اللّه عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» .

و ما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد منهم على ما يعلم من نفسه ويتأتى له من أمره، وقد كان العمري «3» بالمدينة معتزلا، وكان مالك مخالطا للناس، ثم اعتزل مالك آخر عمره رضي اللّه عنه، فيروى عنه أنه أقام ثماني عشرة

(1) انظر «كشف الخفاء» (2/ 428/ 2830) .

(2) أخرجه البخاري (7087) ومسلم (1862) .

(3) تصحّفت في ط. دار ابن كثير إلى: المعمري. والصواب هو المثبت هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت