فهرس الكتاب

الصفحة 633 من 874

فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] بل يعم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، على ما نبينه.

فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: 18] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب.

و قرئ واتقوا فتنة لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة وعلى هذه القراءة يكون المعنى: أنها تصيب الظالم خاصة وهي قراءة زيد بن ثابت وعلي وأبيّ وابن مسعود رضي اللّه عنهم أجمعين.

و الجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر، فمن الفرض على من رآه أن يغيّره إما بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.

روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ليس عليه غيره، وذلك أضعف الإيمان» «1» .

روي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر لا أرضاه، فإذا قال ذلك فقد أدى ما عليه.

فأما إذا سكت عليه فكلّهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه كما ذكرنا. وقد جعل اللّه في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة الفاعل فانتظم في العقوبة. دليله قوله تعالى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: 140] فأما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم للّه تعالى وتبرّءوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب للّه عليهم غير معتدين سلموا. قال اللّه تعالى: فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ [هود: 116] وقال: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 165] .

و قال ابن عباس: قد أخبرنا اللّه عزّ وجلّ عن هذين، ولم يخبرنا عن الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [الأعراف: 164] .

(1) أخرجه مسلم (49) وأحمد (3/ 10) وأبو داود (4318) والترمذي (2172) والنسائي (8/ 111) وابن ماجه (1275) وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت