حرمان شي ء من لذّات الدنيا لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه.
قلت: وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري يردّ هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك لعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة.
قوله تعالى: ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ [الكهف: 31] وقال: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ [الإنسان: 21] : الإستبرق: الديباج الكثيف، والسندس:
الرقيق الخفيف، وخصّ الأخضر لأنه الموافق البصر، لأن البياض يبدد النظر ويؤلم والسواد يورم، والخضرة لون بين السواد والبياض، وتلك تجمع الشعاع.
قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ [الكهف: 31] الأرائك: جمع أريكة وهي السّرر في الحجل، وقال: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ [الطور: 20] .
و روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج في شهر واحد ألف حوراء، يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا» .
و روي عن ابن عباس أنه قال: إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحور سبعين سنة لا يملّها ولا تملّه، كلما أتاها وجدها بكرا، وكلما رجعت إليه عادت إليه شهوته، فيجامعها بقوة سبعين رجلا لا يكون بينهما مني، يأتي من غير مني منه ولا منها.
و قال المسيب بن شريك: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا [الواقعة: 35 - 37] قال: «هن عجائز الدنيا أنشأهنّ اللّه خلقا جديدا، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا» . فلما سمعت عائشة ذلك قالت:
وا وجعاه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «ليس هناك وجع» «1» .
و ذكر يحيى بن سلام، عن صاحب له، عن أبان بن عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم مع زوجته في تكأة واحدة سبعين عاما، فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى:
أما آن لنا منك دولة بعد! فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال اللّه تعالى: ولَدَيْنا مَزِيدٌ [ق: 35] فيتحول إليها يتنعم معها سبعين عاما في تكأة واحدة فتناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: أما آن لنا منك دولة بعد؟ فيلتفت إليها فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتي قال اللّه تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ
(1) ذكره المصنف في «تفسيره» (17/ 211) .