خرّجه الترمذي «1» . أي عند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان، ولا تنفع حينئذ توبة ولا إيمان، كما قال تعالى في محكم البيان: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 85] . وقال تعالى: ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: 18] فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح، وذلك عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين، فشخص من الصدر إلى الحلقوم، فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت، فاعلم ذلك. فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة، وهو معنى قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: 17] .
قال ابن عباس والسّدّيّ: من قريب: قبل المرض والموت.
و قال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسّوق وأن يغلب المرء على نفسه.
و لقد أحسن محمود الورّاق حيث قال:
قدّم لنفسك توبة مرجوّة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا- رحمهم اللّه-: وإنما صحّت منه التوبة في هذا الوقت، لأن الرجاء باق، ويصح الندم والعزم على ترك الفعل. وقيل: المعنى: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب. عن الضحاك رضي اللّه عنه أيضا.
و عن الحسن: لما هبط إبليس قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده، قال اللّه تعالى: وعزّتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه.
و التوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين «2» لقوله تعالى: وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31] وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: 8] .
(1) أخرجه أحمد (2/ 132) والترمذي (3537) وابن ماجه (4253) ، وحسنه الألباني كما في «صحيح الجامع» (1899) .
(2) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (5/ 90 و18/ 197) و «مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة ص 322 و «مجموع الفتاوى» (10/ 310) .