و قال: ابن زيد: الأوليان من ذهب للمقربين، والأخريان من ورق لأصحاب اليمين.
قال المؤلف- رحمه اللّه-: وإلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد اللّه الحسن بن الحسين في كتاب «منهاج الدين» له واحتجّ بما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ إلى قوله: مُدْهامَّتانِ [الرحمن: 46 - 64] قال: هاتان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك.
و لما وصف اللّه الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ [الرحمن: 50] وفي الأخريين: فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ [الرحمن: 66] أي: فوارتان بالماء، لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [الرحمن: 52] معروف وغريب أو رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمَّانٌ [الرحمن: 68] ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن: 54] وهو الديباج، وفي الأخريين: مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ [الرحمن: 76] والعبقري: الوشي. ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف: كسر الخباء، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء. وقال في الأوليين في صفة الحور العين: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ والْمَرْجانُ [الرحمن: 58] وفي الأخريين: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [الرحمن: 70] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: ذَواتا أَفْنانٍ [الرحمن: 48] وفي الأخريين: مُدْهامَّتانِ أي: خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان.
و وصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه في قوله: ومِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما يكثر مما ذكر.
فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟
قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب؛ فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من اللّه تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من اللّه تعالى.
قال المؤلف- رحمه اللّه-: فهذا قول، والقول الثاني: أن الجنتين في قوله تعالى: ومِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ أعلى وأفضل من الأوليين، ذهب إلى هذا الضحاك، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة، والأخريين من ياقوت وزمرد.