كثيرا ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحلف: «لا ومقلّب القلوب» «1» . ومعناه: يصرفها أسرع من مر الريح، على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية، وغير ذلك من الأوصاف، وفي التنزيل: واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وقَلْبِهِ [الأنفال: 24] قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله، حتى لا يدري ما يصنع. بيانه إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ق: 37] أي: عقل، واختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من اللّه تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة اللّه عزّ وجلّ.
و قالت عائشة رضي اللّه عنها: «كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك. فقلت: يا رسول اللّه إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى؟
قال: وما يؤمنني يا عائشة، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار، إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه» «2» .
قال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى اللّه مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدّار عليك وخيره، فمهما افتخرت بذلك، كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبت عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة اللّه مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصيته مظلم سقيم، ذلك فعل العزيز الحكيم، الخلاق العليم.
روى النسائي عن عثمان رضي اللّه عنه قال: «اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث،
(1) أخرجه البخاري (6628) .
(2) أخرجه أحمد (6/ 91) والنسائي في «الكبرى» (4/ رقم: 7737) والآجري في «الشريعة» (1/ 334/ 359) من طريق: يونس وهشام والمعلى بن زياد، عن الحسن البصري، عن عائشة به.
و إسناده رجاله ثقات رجال مسلم، لو لا أن الحسن البصري مدلّس، قاله الألباني في «ظلال الجنة» (224) .
و أخرجه أحمد (6/ 251) من طريق: حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أم محمد، عن عائشة به.
و إسناده ضعيف؛ لأجل علي بن زيد هو: ابن جدعان «ضعيف» .
لكن الحديث صحيح له شواهد كثيرة جدا عن غير واحد من الصحابة، منها ما هو في مسلم، فلله الحمد والمنة.