المكروهات. والشهوات: كل ما يوافق النفس ويلائمهما وتدعو إليه ويوافقها.
و أصل الحفاف: الدائر بالشي ء المحيط به، الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى، فمثّل صلى اللّه عليه وسلم المكاره والشهوات بذلك، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها.
و قد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه مثّل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر؛ فقال:
«طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة» ذكره صاحب الشهاب «1» .
و الحزن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: هو المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي، والسهوة: بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة.
و قال القاضي أبو بكر بن العربي في «سراج المريدين» له: ومعنى قوله عليه السلام: «حفت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» أي جعلت على حافاتها وهو جوانبها، ويتوهم الناس أنه ضرب فيها المثل، فجعله في جوانبها من الخارج، ولو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا وإنما هي من داخل، وهذه صورته:
و عن هذا عبّر ابن مسعود: حفت الجنة بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه، وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث وعن حقيقة الحال «2» .
فإن قيل: فقد حجبت النار بالشهوات. قلنا: المعنى واحد، لأن الأعمى عن التقوى، الذي أخذت سمعه وبصره الشهوات يراها ولا يرى النار التي هي فيها، وإن كانت باستيلاء الجهالة ورين الغفلة على قلبه، كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة عنه، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلّق باله بها، وجهله بما جعلت فيها وحجبت.
(1) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (745) ، وهو خبر منكر؛ انظر «ميزان الاعتدال» (4/ 275) .
(2) انظر «فتح الباري» (11/ 328) .