إلى منبرك واتل ما أوحي إليك من ربك. فيرقى المنبر ثم يقرأ فينصت له كلّ من في الموقف فيأتي بالتوراة غضة طرية على حسنها يوم أنزلت حتى تتوهم الأحبار أنهم ما عرفوها يوما. ثم ينادى يا داود. فيأتي وهو يرعد وكأنه ورقة في ريح عاصف تصطك ركبتاه فيصفر لونه فيقول اللّه جل ثناؤه: يا داود؛ زعم جبريل أنه بلغك الزبور فتشهد له بالبلاغ؟ فيقول: نعم يا رب. فيقال له: ارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك. فيرقى ثم يقرأ وهو أحسن الناس صوتا. وفي الصحيح أنه صاحب المزامير. ثم ينادي المنادي: أين عيسى ابن مريم فيؤتى به على باب المرسلين فيقول: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116] ثم يحمد تحميدا ما شاء اللّه تعالى ويثني عليه كثيرا ثم يعطف على نفسه بالذم والاحتقار ويقول: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: 116] ، فيضحك اللّه ويقول: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: 119] يا عيسى ارجع إلى منبرك واتل الإنجيل الذي بلغك جبريل. فيقول: نعم، ثم يرقى ويقرأ فتشخص إليه الرءوس لحسن ترديده وترجيعه، فإنه أحكم الناس به رواية، فيأتي به غضا طريا حتى يظن الرهبان أنهم ما علموا به قط، ثم ينقسم قومه فرقتين المجرمون مع المجرمين والمؤمنون مع المؤمنين. ثم يخرج النداء أين محمد؟ فيؤتى به صلى اللّه عليه وسلم فيقول: يا محمد هذا جبريل يزعم أنه بلغك القرآن فيقول: نعم يا رب. فيقال له:
ارجع إلى منبرك واقرأ فيتلو صلى اللّه عليه وسلم القرآن فيأتي به غضا طريا له حلاوة وعليه طلاوة يستبشر به المتقون وإذا وجوههم ضاحكة مستبشرة، والمجرمون وجوههم مغبرة مقترة، فإذا تلا النبي القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط.
و قد قيل للأصمعي: تزعم أنك أحفظهم لكتاب اللّه؟ قال: يا ابن أخي يوم أسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كأني ما سمعته فإذا فرغت قراءة الكتب خرج النداء من قبل سرادقات الجلال: وامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59] فيرتج الموقف ويقوم فيه روع عظيم والملائكة قد امتزجت بالجن، والجن ببني آدم، والكل لجة واحدة، ثم يخرج النداء: يا آدم ابعث بعث النار. فيقول: كم يا رب؟ فيقال له: كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. على ما يأتي بيانه- فلا يزال يستخرج من سائر الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب كما قال الصديق رضي اللّه عنه: نحن حفنات بحفنات الرب سبحانه وتعالى على ما يأتي- إن شاء اللّه تعالى.