فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 874

فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وإغوائه، فإن انتفع بها فذاك، وإن عظم عليه ران القلب، واستحكمت فيه دواعي الذنب، فزيارة قبور الموتى تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول، والثاني، والثالث. ولذلك قال عليه السلام: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت والآخرة، وتزهد في الدنيا» ، فالأول: سماع بالأذن، والثاني: إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير في مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة، فلذلك كانا أبلغ من الأول والثاني. قال صلى اللّه عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» «1» رواه ابن عباس ولم يروه أحد غيره. إلّا أن الاعتبار بحال المحتضرين غير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور؛ فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر، فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظّه منها الطواف على الأجداث فقط، فإن هذه حالة تشاركه فيها بهيمة، ونعوذ باللّه من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه اللّه تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت مما يتلوه عنده من القرآن «2» ، على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى. ويجتنب المشي على المقابر، والجلوس عليها إذا دخل المقابر، ويخلع نعليه،- كما جاء في أحاديث- ويسلّم إذا دخل المقابر، ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» كذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول «3» ، وكنّى بالدار عن عمارها وسكّانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم، لأن العرب تعبّر بالمنزل عن أهله. وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلّم عليه أيضا فيقول: عليك السلام.

روى الترمذي في «جامعه» : أن رجلا دخل على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فقال: عليك السلام، فقال صلى اللّه عليه وسلم: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت» «4» . وليأته

(1) أخرجه أحمد (1/ 215، 271) والحاكم (2/ 321) وغيرهما.

و قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» . ووافقه الذهبي، وصحّح إسناده الألباني في تخريج أحاديث «شرح العقيدة الطحاوية» ص 335 رقم (401) .

(2) الميت لا ينتفع بقراءة القرآن عنده، لأن محلّ هذا؛ التشريع، ولم يأت نص صحيح بذلك، بل لم يرد هذا الفعل عن نبي الأمة صلوات اللّه وسلامه عليه ولا عن أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة، وينظر في تفصيل المسألة: «حكم القراءة للأموات» لمحمد عبد السلام الشقيري، و «شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» لعبد اللّه الحمادي ص 50 وما بعدها.

(3) أخرجه مسلم (975) .

(4) أخرجه أحمد (3/ 472) وأبو داود (5187) والترمذي (2722) ، وهو حديث صحيح، انظر «السلسلة الصحيحة» رقم (1403) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت