الأكبر، كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيّا عليه «1» . وقال التيمي «2» :
شيئان قطعا عني لذة الدنيا؛ ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي اللّه تعالى. وكان عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
و قال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما، فإن سئل عن شي ء قال: لا أدري لا أدري. وقال: أسباط: ذكر عند النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رجل، فأثني عليه، فقال عليه السلام: «كيف ذكره للموت؟» فلم يذكر ذلك عنه. فقال: «ما هو كما تقولون» «3» .
و قال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة. فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحا للقلوب، ومبكيا للعيون، ومفرقا للجماعات، وهادما للّذات، وقاطعا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان؛ ليس لك واللّه من مال إلا الأكفان، بل هي واللّه للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك. ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى:
وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا؛ أن النصيب: الكفن فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [القصص: 77] أي: اطلب فيما
(1) انظر: «صفوة الصفوة» لابن الجوزي (3/ 206) .
(2) هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التّيمي، أحد الزهّاد الصالحين، قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (5/ 60) و «النجوم الزاهرة» (1/ 225) و «صفة الصفوة» (3/ 61/ ت: 413) .
(3) أخرجه البزار (4/ 240/ 3622) - كشف الأستار- من طريق: يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس مرفوعا.
و قال الهيثمي في «المجمع» (10/ 309) : «رواه البزار، وفيه يوسف بن عطية، وهو متروك» .
و أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (265) وعنه أحمد في «الزهد» ص 395 عن مالك بن مغول بلاغا.