فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 874

إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة لها، وهذا مذهب السالمية.

الثاني: أنّها كانت عينا معنوية فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة له.

الثالث: أنّه لم يعرفه، وظنّه رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عنها؛ فلطمه: ففقأ عينه؛ وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن، وهذا وجه حسن، لأنه حقيقة في العين والصك؛ قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة، إلا أنه اعترض بما في الحديث نفسه؛ وهو أن ملك الموت عليه السلام لما رجع إلى اللّه تعالى؛ قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صدر هذا القول من ملك الموت.

الرابع: أن موسى عليه السلام كان سريع الغضب، وسرعة غضبه كانت سببا لصكّه ملك الموت؛ قاله ابن العربي في الأحكام، وهذا فاسد، لأن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب.

الخامس: ما قاله ابن مهدي رحمه اللّه: أن عينه المستعارة ذهبت لأجل أنه جعل له أن يتصور بما شاء، فكأن موسى عليه السلام لطمه وهو متصور بصورة غيره بدلالة أنه رأى بعد ذلك معه عينه.

السادس: وهو أصحها- إن شاء اللّه- وذلك أن موسى عليه السلام كان عنده ما أخبر نبينا عليه السلام من أن اللّه تعالى لا يقبض روحه حتى يخيّره- خرجه البخاري وغيره- فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقئت عينه، امتحانا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا؛ أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، واللّه بغيبه أعلم وأحكم. ذكره ابن العربي في قبسه بمعناه. والحمد للّه.

و قد ذكر الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في «نوادر الأصول» حديث أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: «كان ملك الموت عليه السلام يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه» الحديث بمعناه «1» . وفي آخره: «فكان يأتي الناس بعد ذلك في خفية» .

(1) أخرجه أحمد (2/ 533) بإسناد صحيح على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألباني في تحقيقه على كتاب «السنة» لابن أبي عاصم ص 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت