يعني أنه لم يكتفِ ببينة واحدة، بل جاء ببينات كثيرة مِنْ عند رَبِّكُمْ، أضافه إليهم، استنزالًا لهم عن رتبة المكابرة، واستدراجًا للاعتراف.
ثم أخذهم بالاحتجاج فقال: (وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) لا يتخطى وبال كذبه إلى غيره، فيحتاج في دفعه إلى قتله، (وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) من العذاب، احتج عليهم بطريق التقسيم لأنه لا يخلو، إما أن يكون كاذبًا أو صادقًا، فإن كان كاذبًا فوبال كذبه عليه، وإن كان صادقًا يُصبكم قطعًا بعضُ ما يعدكم من العذاب، ولم يقل: كل الذي يعدكم، مع أنه وعد من نبيٍّ صادق، مداراة لهم وسلوكًا لطريق الإنصاف، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له، فكأنه قال: إن لم يصبكم الجميعُ يصبكم البعض، وليس فيه نفي لإصابة الكل، فكأنه قال: أقلّ ما فيه أن يصيبكم بعض ما يعدكم، وهو العذاب العاجل، وفي ذلك هلاككم، وكان وعَدَهم عذاب الدنيا والآخرة. وتفسير البعض بالكلّ مزيّف.