فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 814

(خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي: سماوات النار وأرضها. وهي دائمة أبدًا، ويدل عليه قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ)

أو يكون عبارة عن التأبيد: كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح.

وقوله: (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) للناس هنا كلام واختلاف.

وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي - والله أعلم - أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان ربما يُظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) جاء هذا الاستثناء معلمًا أن الأمرَ فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القول فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبر به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئًا.

فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء، فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. اهـ.

وقال الجلال السيوطي، في «البدور السافرة في أمور الآخرة» :

اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالًا، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما «إلا» بمعنى «سوى» ، كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود.

والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولًا، ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به. والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السماوات والأرض. اهـ.

ومثله لابن عطية. قال: ويؤيد هذا التأويل قوله بعدُ: (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بـ (سوى) وسيبويه بـ (لكن) . اهـ.

وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: (إلا ما شاء ربك) من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. اهـ.

(إن ربك فعال لما يريد) من غير حجر ولا اعتراض.

(عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم.

(الإشارة)

السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاوة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، باليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه.

قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. اهـ. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقًا من حرمته مع كثرة السؤال لك.

قال في نوادر الأصول: تَابعُ القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسَيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرحُ الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تُهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له.

وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت