فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 814

(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) من النصر، أو من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر، وتماديهم من غير وازع، (وَظَنُّوا) أي: تيقنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «1» أي: أن قومهم كذبوهم فيئسوا من إيمانهم.

أو: وظنوا أن من آمن بهم قد كذبوهم لطول البلاء وتأخر النصر.

وأما قراءة (كُذِبُوا) بالتخفيف فمعناه: وظنوا أنهم قد كذب عليهم في وعد النصر ..

وأنكرت عائشة - رضى الله عنها - هذه الرواية، وقالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن بربها ذلك. كما في البخاري «2» .

وقد يجاب بأن ذلك كانت خواطر وهواجس من وسواس النفس، يمر ولا يثبت، وهو من طبع البشر، لا يدخل تحت التكليف.

وسماه ظنًا مبالغة في طلب المراقبة، كما تقدم في قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) .

وقال ابن جزي: على هذه القراءة: الضميران يعودان على المرسل إليهم، أي: ظن الأتباع أن الرسل قد كذبوا عليهم في دعوى الرسالة، أو في مجيء النصر لما اشتد عليهم البلاء، وتأخر عنهم النصر.

فلما يئسوا (جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ) نجاته، وهو: النبي والمؤمنون.

وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون نجاتهم بالمشيئة القديمة، لا يشاركهم فيها غيرهم.

(وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) إذا نزل بهم.

وفيه بيان المستثنين بالمشيئة، كأنه قال: ولا نشاء نجاة المجرمين.

وقد قال في الحِكم: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه» . يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط كما في قضية الجرْو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. اهـ.

والحاصل: أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد خوفًا أن يكون متوقفًا على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتًا فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف.

وأما قضية الجرو الذي أشار إليها: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلّى الله عليه وسلّم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال: «إنما تَخلَّفْنَا عن الوقت لأَنَّ الملائكة لا تَدخلُ بَيْتًا فيه كَلْبٌ» «3» . كما في الصحيح.

(1) قرأ «كذبوا» بالتخفيف، عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر، وقرأ الباقون «كذّبوا» بالتشديد. انظر القراءة وتوجيهها في الإتحاف (2/ 15) والبحر المحيط (5/ 347) .

(2) (كتاب التفسير، باب سورة يوسف) . [ ]

(3) أخرجه البخاري فى (كتاب اللباس/ باب: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت