(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ) أي: اسم الجلالة، معرضًا لِأَيْمانِكُمْ، فتتبذلونه بكثرة الحلف، فتمتنعون من فعل الخير بسبب الحلف، كراهة أَنْ تَبَرُّوا) أي: تفعلوا فعل البر، وهو الإحسان، وكراهة أن تَتَّقُوا أن تجعلوا بينكم وبين الله وقاية بفعل المعروف، وذلك أن يحلف الرجل ألا يصل رحمه، أو لا يسلم على فلان، او لا يضمن أحدًا، أو لا يبيع بدين، أو لا يسلف أحدًا، أو لا يتصدق، فهذه الأمور كلها بر وتقوى، نهى الله تعالى عن الحلف على عدم فعلها، أو يحلف ألا يصلح بين الناس، فيجب على الحالف على ذلك أن يحنث، ويكفر عن يمينه. ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام: «إنِّي لأَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خيْرًا منْهَا، فأكفر عن يميني، وآتي الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وقال لابن سَمُرَة: «إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأيْتَ غَيرهَا خَيْرًا مِنْهَا، فأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفّرْ عَنْ يمِينِك» .
(الإشارة)
يقول الحق جلّ جلاله: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، ولكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم، فإني ما أظهرت اسمي لتبتذلوه في الأيمان والجدال، وإنما أظهرت اسمي لتتلقَّوْه بالتعظيم والإجلال، فمن عظَّم اسمي فقد عظَّم ذاتي، ومن عظم ذاتي جعلته عظيمًا في أرضي وعند أهل سماواتي، وجعلته برًّا تقيًّا، من أهل محبتي وودادي، وداعيًا يدعو إلى معرفتي، ويصلح بيني وبين عبادي، فمن حلمي ورأفتي: أني لا أؤاخذ بما يجري على اللسان، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجَنَان.
تنبيه: كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش، وعدم الحلف بالكلية تعسف، وخيرُ الأمور أوسطها، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه، يقول: «لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» ،: «والذي نفس محمد بيده» . والله تعالى أعلم.