فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 814

(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(68)

والآية دليل على أن الأنبياء - عليهم السلام - يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي.

قال القشيري: أخذ النبي صلى الله عليه وسلّم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزًا لوجوب العصمة، ولكن لو قتلهم كان أَوْلى. اهـ. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء لأن الله تعالى قد كان خيَّرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران.

ثم قال: والنبي عليه الصلاة والسلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية.

فإن قلتَ: إذا كان الحق تعالى خيَّرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظورًا؟

فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يُعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحًا، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا) وهذا إنما كان في بعضهم، وجُلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.

ثم قال تعالى في تمام عتابهم: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) أي: لولا حكم الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، (لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ) من الفداء أو من الأسارى، (عَذابٌ عَظِيمٌ) .

روى أنه عليه الصلاة والسلام قال، حين نزلت: «لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ» وذلك لأنه أيضًا أشار بالإثخان.

ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، حَلالًا طَيِّبًا) أي: أكلا حلالا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين.

رُوي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ، ووصفة بالطيب تسكينا لقلوبهم، وزيادة في حليتها.

وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أُعطيتُ خمسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أّحّدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وخُصصتُ بِجَوَامعِ الكلمِ» «1» . أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم توسعةً عليكم. والله تعالى أعلم.

(1) أخرجه البخاري فى (أول كتاب التيمم) ومسلم فى (المساجد) من حديث جابر بن عبد الله - بلفظ: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» بدل: «وخصصت بجوامع الكلم» ، وقد جاءت هذه العبارة بنحوها في رواية عند مسلم عن أبى هريرة، وفيها: (فضلت على الأنبياء بست) وساق الخمس السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت