فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 814

(أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بالإسلام الذي هو من أجلّ النعم (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة:

(أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) زينب، (وَاتَّقِ اللَّهَ) فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتقِ الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكِبْر وأذى الزوج.

(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) أي: تُخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره،

وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلُّق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها.

قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي:

والصواب أن المعنى: وتُخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك.

وأما قوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوءهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلَّغ من غير رَوية ولا حشمة، سالكًا في ذلك سُنَّة مَن خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحدًا إلا الله.

وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد، والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها، وكانت تلك الخشية إشفاقًا منه عليهم، ورحمة لهم ألا يُطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم.

وأما قوله: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ .... ) الآية - مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها - فإقامة للشريعة. اهـ. ملخصًا.

وفي الوجيز: (وَتَخْشَى النَّاسَ) أي: تكره مقالة الناس لو قلت طَلِّقْها، فيقال: أمر رجلًا فطلّق امرأته ثم تزوجها.

وقد نقل في نوادر الأصول عن عليّ بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك.

فلما جاء زيد يشكوها قال له: اتقِ الله، وأمسك عليك زوجك.

قال: فعليُّ بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهرًا من الجواهر، ودرًّا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: (أمسك) رعاية لِما يقال، وتركًا لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه.

ثم قال: والحاصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يلمّ بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه ليزيل عنهم ما يخشى فيهم.

قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها.

وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. اهـ. قلت: إنما يكون تنقيصًا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتًا، وأما إن كان خاطرًا مارًّا فلا نقص إذ ليس في طوق البشر لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه ورده بعد هجومه.

ثم قال ابن عرفة، على قوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ) هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأَمَرهُ ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفًا غير مشوب بشيء. اهـ.

قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسُّف، مع أن الخوف من الخَلْق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزَّه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا:

نكح امرأة ابنه، وكان - عليه الصلاة والسلام - أشد الناس حياء من العذراء في خدرها.

والحياء ممدوح عند الخاص والعام.

وأما قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أَولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر.

أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تَخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت