قال البيضاوي: ونِعَمُ الله وإن كانت لا تُحصى كما قال الله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) تنحصر في جنسين: دنيوي وأخروي.
فالأول: وهو الدنيوي- قسمان: موهبي وكَسْبِي، والموهبي قسمان: رُوحاني، كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوي، كالفهم والفكر والنطق، وجسماني: كتخليق البدن بالقوة الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء.
والكسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحُلي المستحسنة، وحصول الجاه والمال.
والثاني: وهو الأُخروي-: أن يغفر له ما فَرَطَ منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى علِّيين، مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، والمراد القسمُ الأخير، وما يكون وُصْلة إلى نيله من القسم الأول، وأما ما عدا ذلك فيشترك فيه المؤمن والكافر. اهـ.
قال ابن جُزَيّ: النعم التي يقع عليها الشكر ثلاثة أقسام، دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال.
ودينية: كالعلم والتقوى والمعرفة. وأخرويةٌ: كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل.
وقال أيضًا: والناس في الشكر على مقامين: منهم مَن يشكر على النعم الواصلة إليه، الخاصة به، ومنهم مَن يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم.
والشكر على ثلاث درجات: فدرجة العوام: الشكر على النِّعم، ودرجة الخواص: الشكر على النِّعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن رؤية النعمة بمشاهدة المُنعم. اهـ.
واعلم أن الحق- سبحانه- قسم خلقه على ثلاثة أقسام: قسم أعدَّهم للكرم والإحسان، ليظهر فيهم اسمه الكريم أو الرحيم، وهم المنعم عليهم بالإيمان والاستقامة.
وقسم أعدَّهم للانتقام والغضب، ليُظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار، وهم المغضوب عليهم والضالون عن طريق الحق عقلًا أو عملًا، وهم الكفار.
وقسم أعدَّهم الله للحِلْم والعفو، ليُظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو، وهم أهل العصيان من المؤمنين.
فمن رَامَ أن يكونَ الوجودُ خاليًا من هذه الأقسام الثلاثة، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها، فهو جاهل بالله وبأسمائه إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي، من كرم وقهرية وحِلْم وغير ذلك. والله تعالى أعلم.