أما أغراض التعريف باللام، فقد قالوا: إنها تكون للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك، ومنه قول تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} ، أي: ليس الذكر الذي طلبته امرأة عمران كالأنثى التي وهبت لها، وكانت نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، ولا يكون خادمة إلا ذكرًا، فلما وضعتها أنثى قالت على سبيل التحسر: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} ، ثم جاء على سبيل الاعتراض قوله: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} .
{وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) }
وانظر قوله تعالى في شأن فريق من اليهود غيروا التوراة كما يقول ابن عباس، وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) } .
قال: وهم يعلمون، وصاغ الخبر كما ترى؛ لأن الذي يكذب لا يعترف بأنه يكذب فضلا عن أن يعترف بأنه يعلم أنه كاذب، ومن هنا كان سياق العبارة سياق إنكار، فاحتاج إلى هذا القدر من التوكيد، والبلاغيون يقولون: إن هذا الأسلوب يأتي فيما سبق فيه إنكار، ويذكرون هذه الآية شاهدا على ذلك.
{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) }
وقد يشعر حذف المسند بتركه وازدرائه، والضن عليه بالذكر في مقابلة المسند إليه، وذلك كقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} ، فإن ذلك الموصول مبتدأ، وخبره محذوف تقديره كما ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله سبحانه أي متول أمر كل نفس حافظ
شأنها حفظ القائم يحرسه، ويصونه وهو تعبير جيد، ومثله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) }
أي هي قائمة على أمر كتابها تحفظ شرائعه وحدوه، وكأنها في ذلك كالشخص القائم المنتصب اليقظ على الشيء يحرسه، ويصونه والمحذوف الذي هو كمن ليس كذلك هو المعبود بالباطل، وفي حذفه إشعار إهماله وازدرائه، والضن به على أن يذكر في مقابلة الحق - جل جلاله - .
{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) }