ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي الكفاية بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّْ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 272] ، الإشارة فيها: إن يا محمد لك المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272] ، {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّْ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56] ، {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] ، وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] ، قطميراً ولا نقيراً.
ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] ، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول:"ليَّ حرفتان: الفقر والجهاد"وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] ؛ يعني: الفقير أحصره حب الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد محدقة بهم، كما قيل:
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً