ثم قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] ؛ يعني: من كما غناه يسد فقركم جميعاً بشظية من كمال غناه ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] ، يقتضي أنه يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته حميد بصفات مجيد.
ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: 268] ، والإِشارة فيها: أن الشيطان حين يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق، ومضاعفة الحسنات، وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام عليّ إلى كل منزل دنئ، مثل الخروج عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات.