ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] ، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، فيكف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته كحلقة في فلات، فافهم جدّاً.
فإن قوماً بذلوا المال في سبيل الله، وقوماً بذلوا الحال في سبيل الله بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] ، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة: 261] فضله وكرمه {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} [البقرة: 261] بالفضل والكرم {عَلِيمٌ} ، يا أهل فضله.