ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال:"كما هي"، ولعمري هذا هو الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 16 - 18] ، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] ، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، فبعث وحده بإفناء بالماهية عن العبدية وإبقاء بالوحدة؛ ليعلم ما هية {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] ، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق، {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] ؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أُمِّي عربي لست بكاتب، وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا التقرير، والله أعلم.
ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] ؛ يعني بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك بصفاتي، فأحييت الطيور وعَلِمْت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يُعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ما هيتها، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] ، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا علمي، لأنهما موصوفان بإحاطه القدم.