{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146] ، ثم نادى الآخري: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ} [البقرة: 214] ؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] ، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] ، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.
ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215] ، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ويغيروا حالاً من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف إينما صرفك الحق؛ فأجاب الله تعالى سؤالهم بقوله: {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215] ، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فأبدوا {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] .