{وَلأُضِلَّنَّهُمْ} [النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال: {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} [النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ذلك ولهذا قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ} [البقرة: 268] ، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة وبآفات الحسن والوهم والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئاً بين الكفر والإباحة والزندقة، فضلوا كثيراً وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى تلفظوا بها، كما قال تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: {بَلَى} أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه بمثابة كيده كقوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.