وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [البينة: 4] ، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره فإن القرآن ظهراً وبطناً يدل على هذا قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121] ، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] ، {َأُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121] ، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى: {َأُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ، {وَمن يَكْفُرْ} [البقرة: 121] ، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد {بِهِ} [البقرة: 121] ، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109] ، {فََأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .
ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] ، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين {وََاتَّقُوا يَوْماً} [البقرة: 48] ، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48] ، من العذاب من نفس مثله {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلاً للشفاعة {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] ، يدفع العذاب عنهم أبداً؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى.